السلفية, هل بدأ زمن التغيير

لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال وانشغلت عنه كثيرا ايضا وهذا لسببين , السبب الاول لأملي بتغير الصورة والواقع حولي بحيث لا احتاج الى الخوض فيه اصلا, والسبب الثاني هو انشغال الكل بما فيهم انا بما يحدث في بلدنا العزيز مصر,اضف الى هذا حيرتي في كيف تكون البدايه, خاصة وقد سبقني الكثير في الكلام في هذا المجال من اولي الفضل والنهى و مما يجعلني كالطفل في وسط العمالقة, ولكني بعد ان استعنت بالله قررت ان اخوض في الموضوع وفي القصة من اولها, حسب وجهة نظري وحسب ما رأيت وعاينت راجيا من المولى غز وجل ان اصيب, وان اوفق الى قول الحق, عسى ان ينتفع بهذا الكلام احد, ورب حامل فقه لمن هو افقه منه.

إن كثيرا من محبي التيار والفكر السلفي والمتابعين له والمتتلمذين عليه قد ازعجهم ماعاينوا من تخبط التيار السلفي , وتناقضه وعدم قدرته على مواكبة الواقع, والتوائم مع مجريات العصر من حوله في بعض من قضايا العصر الحالية, وبالتحديد ظهر هذا حدث هذا جليا حين حدثت ثورة الشعب المصري المباركة في 25 يناير, وانا لا اقول ان هذا حدث مع كل رواد و افراد التيار السلفي والفكر السلفي في مصر, وانما حدث مع الغالبية العظمى منهم على حد ما عاينت, وانا هنا احاول ان اضع يدي على الداء وباحثا عن والدواء , مستعينا بالله , متلمسا الطريق , لعلي اصيب, واكشف بعض ما احاط بهذا الفكر من هم وخلل اعاق مسيرته التي فيها الخير الجم.

في رايي ان اي فكر في اي زمان  وفي اي مكان اذا اصيب بثلاثة امراض متزامنة فيما اسميه مثلث الدمار الفكري, اصيب بالشلل والتخلف , واصيب بعدم القدرة على مواكبة الواقع والردة عن الحاضر. مثلث الدمار هذا ركائزه هي (احادية الفكر, الراي الواحد, وعدم قبول الاخر) سوف احاول ان اوضح مثلث الدمار هذا وكيف اصيب به الفكر السلفي في نقاط قليلة.

1-      احادية الفكر:وهي تعريفيا عدم القبول باي فكر اخر من خارج التيار او التوجه المتبع. الفكر السلفي لمن يعرفه محصور فيما يمكن ان يسمى باحادية الفكر, فهو لا يقبل فكر مخالف له في اي شئ , ولا يقبل هذا الفكر حتى وان كان من مسلم اخر طالما كان هذا الفكر من شخص ينتمي لتيار فكري اخر, وحسبنا ان نرى كيف هوجم مشايخ عدة مثل الشيخ القرضاوي والشيخ الغزالي لاختلافهم مع مدرسة الفكر السلفي في طريقة التفكير – رغم انه يصب في نفس الهدف والاتجاه – مما ادى الى شقاق واسع بين الفكر والحركة السلفية وباقي الافكار و الحركات الاسلامية الاخرى. فهم لا يقبلون اي فكر قادم من اي مدرسة اخرى. ولهم تصنيفات وتعريفات فيمن يقبلون منه الفكر, بعضها معتبر مثل مسائل الاعتقاد وبعضها وصل الى حد العجب , فقد قراءت ردا لنقدا لاحد المشايخ في يوم من الايام , وكان هذا الرد تائيدا لاحد المشايخ وينتصر له ويعدد مزاياه , بقوله انه شيخ صاحب عقيد سليمة وانه, وانه, وانه ليس مبنطل!!!

وان كنت اعلم ان هذه الراي قد لا يصدر من عالم الا انه موجود داخل التيار السلفي , وهو تصنيف الناس على اساس ما يلبسون وكيف يبدون وليس على كيف يفكرون,ان تصنيف القول والقوم حسب لباس الفرد خصوصا لو كان هذا الفرد شيخا وبناء على لباسه او لحيته يقبل هذا القول ام لا ,وهذا في ظني شئ عجيب , فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الحكمة ضالة المؤمن انى وجدها فهو احق الناس بها” , وهذا في مجرد الحكمة , التي قد تكون دينا او مجرد حكمة في الحياة, فما بالك بالاجتهاد الصحيح في الدين.

هذا التصنيف العجيب كان اول معول من معاول الخراب الذي اصاب الفكر السلفي , فاصبح الفكر السلفي لا يتعرض لاي إثراء (دم جديد), فهو محصور على مشايخ بعينهم, لهم طريقة , ومنهج وسمت معين, ولا يقبل الدين الا منهم, وحتى ان غير هؤلاء المشايخ في يوم من الايام فتاواهم ووافقت الفتاوى من التيارات الاخرى , ستظل هذه التيارات الاخرى على خطاء وضالة , وسيظل اي فكر من اي مدرسة اسلامية اخرى غير مقبول.

2-      الراي الواحد: وهي تبني راي واحد داخل الفكر الواحد.حتى داخل الفكر السلفي عانى الفكر السلفي من القدرة على قبول اكثر من راي داخل الفكر السلفي, فقلما تجد احد المنتمين للفكر السلفي يطرح او يتبى او يعتبر الفكر الاخر حتى وان كان من داخل التيار السلفي مقبولا او صحيحا, فمثلا على سبيل المثال لا الحصر المسئلة الخاصة بحجاب المراة, فالقول فيها من قديم في الدين على خلاف ما بين النقاب والخمار ما بين تغطية الجسد كله مع الوجه والكفين , او بدون تغطية الوجه والكفين, ومع العلم انه من مشايخ الفكر السلفي والمحيين له والمنظرين والداعين له من افتى بان النقاب ليس بفرض بل مستحب وهو الشيخ العلامة الالباني رحمه الله في كلا من كتابية “جلباب المراءة المسلمة” “والرد المفحم” , الا انك لا تكاد تجد هذا الراي – الا قليلا – بين اوساط الفكر السلفي بل هو راي مرفوض بالكليه, وينظر لقائله انه مخطئ, ولا يكاد يذكر الراي او يحتج له, ومثل هذا الراي اراء اخرى , مثل تقصير الثوب والخلاف الفقهي بين سنيته وفرضيته, ومن الملبس الىي السياسة , فقد وجدت اجتهادات طيبة من التيار السلفي في الكويت في هذا الباب , الا انه رفضت بالكلية في كل من مصر والسعودية – وهما من حيث المدرسة الفكرية لهم نفس الطريقة والتوجه – ولا تكاد تذكر , الا ان الفكر السلفي انحصر في راي واحد, فاصبح اي متبني لاي راي اخر ليس سلفي وغير مقبول بين ابناء هذا التيار وملفوظ وينظر اليه على انه لا يسير على الطريق الاسللامي القويم.

3-      عدم قبول الاخر: نتيجة حتمية لما سبق هي عدم قبول الاخر, ايا كان هذا الاخر وايا كان انتمائه, سواء كان مسلما ينتمي لتيار اخر مثل الاخوان او التبليغ والدعوة , او غير منتمي لاي تيار وانما مسلم عادي رضي بالله ربا وبالاسلام دينا. وبالطبع نستطيع ان ندرك مدى قبول هذا الفكر لمن اختلف معه في الدين, فهو غير مقبول بالكليه بداهتا.

مثلث الدمار الفكري المذكور اعلاه ادى لجعل الفكر السلفي فعلا محصور في جماعة بعينها, ومحجوب عن جمع كبير من المسلمين, وقد يختلف معي البعض ولكني من واقع ما رايت وعايشت فان هذا هو الواقع, فقد قال لي احد الاخوة السلفيين في المغرب العربي الشقيق ان احد اسباب عدم قدرة الفكر السلفي على الانتشار في المغرب , هو ان السلفيين في المغرب حاولوا نشر الفتاوى الاتيه من دول الخليج وتطبيقها على المجتمع المغربي دون مراعين للمجتمع المغربي وفكره وميله الى الفقه المالكي الذي ظل حيا في وجدان المجتمع المغربي منذ اكثر من الف عام, مما ادى الى نفور الناس منه وبعدهم عنه.

كان ايضا من نتائج مثلث الدمار هذا عدم ارتباط الفكر السلفي بالواقع بشكل قوي , ولعل اكبر شاهد على ماحدث هو ما حدث في هذه الايام:

1-      ثورة 25 يناير: فقد خرجت العديد من الفتاوى التي اتهمت الخارجين في المظاهرات بانهم ممن خرجوا على الحاكم وان ما يفعلونه حراما ولا يجوز, وقد نلتمس العذر للمعترضين ما رسخ في اذهانهم من بطش هذا النظام وسطوته ولكن ان يوصم المحتجون بانهم خرجوا على الحاكم وارتكبوا كبيرة فهذا من العجائب, ومما زاد الطين بلة وعمق من الفجوة بين التيار السلفي والشارع انهم في وسط ما تموج به البلد , حين طالب الشباب بمظاهرة مليونية , يوم الثلاثاء 2 فبراير , وخرجت جموع الناس ملبية لهذا الطلب, خرج السلفيون بالألوف ليلبوا اجتماع حول اهمية المادة الثانية من الدستور في المنصورة؟؟!! ولا ادري فيما كان يفكر مشايخنا ساعتها وكيف اخذوا مثل هذا القرار وطرحوا هذا النقاش وفي هذا التوقيت بالذات هو سؤال يحتاج الى رد.

2-      العمل السياسي: من المعلوم بان مما ترسخ في عقول الفكر السلفي المصري والسعودي تحديدا – وهما مرتبطان ببعضهما ارتباطا وثيقا – لان الفكر السلفي الكويتي مثلا حسم هذه المسئلة منذ زمن وشارك في العملية السياسية ولسلفية الكويت العديد من المؤلفات في هذا – من المعلوم ان السياسة والاشتراك فيها لا يجوز , بل هو حرام, والوقوف تحت قبة البرلمان حرام, وفجاة بعد الثورة , والتي اتهم فاعلوها بالكبيرة نسمع عن تكوين حزب سلفي , دون ان يعلن المشايخ المحترمين الذين سوف ينضمون للحزب الرجوع عن فتاواهم او اصدار فتاوى جديدة , حتى ان البيانات التي صدرت عن الجماعة السلفية في الاسكندرية , لم تفند الاراء القديمة التي احتوت على ادلة الى الكتاب والسنة , وانما قالوا هذا من اجل المرحلة!!! نفس الكلمة التي كان يعترض على اي من يقولها. فاين المراجعات للفتاوى والاراء هداكم الله؟ وكيف تتركون جمهورا اتبعكم لانكم تؤصلون المسائل بالكتاب والسنة, لمثل هذا التخبط.

3-      الاستفتاء: ان ما حدث يوم الاستفتاء بين مدى عدم قدرة التيار السلفي المعاصر على مواكبة الواقع او معرفته, فالتيار السلفي دون عن غيره من التيارات الاسلامية هو الوحيد الذي ربط نعم بالحلال والحرام , حتى انهم اعتبروا هذا الاستفتاء هو حرب بين الحق والباطل والكفر والايمان, فاصبح من يقول نعم هو مع الايمان , اصبح من يقول لا هو ضد الشريعة, وضد دين الاسلام , مع ان الاستفاء لا دخل له بالشريعة من قريب او بعيد , ولم يكن على المادة الثانية من الدستور. ويجب ان يكون واضحا ان ليس كل اختيار في الدنيا يخضع للحلال والحرام ولاختيار الدين, فالدين يحدد ما هو حلال او حرام من الطعام, ولكن ليس وظيفة الدين ان يقول لك ماذا تاكل على طعام الغداء يوم الاربع من كل اسبوع مثلا. فجعل قولة نعم من الدين بين مدى بعد التيار السلفي عن الواقع وقدرته على فهمه.

والذي افهمه في قضية السياسة تحديدا , وفي اي قضية على العموم انك اذا كنت لا تعرف مسئلة ما , او قضية ما , بل وكنت تحرمها , وغيرت رايك وفتواك واردت ان تشارك, وجب عليك التعلم اولا. كنا ونحن صغار اذا اراد احدنا ان يلعب لعبة ما قيل له , افهم قواعد اللعبة, واتفرج دور او دورين, وبعدين ادخل والعب واحدة واحدة عشان ما تخسرش , وعشان ما تضرش نفسك. وانا اقول بالمثل صبرا ايها الناس, رويدا رويدا, ليس هكذا تورد الابل, تعلموا واعرفوا قواعد ما تفعلون قيل الخوض فيه.

ان ماحدث في الفترة الاخيرة, هز ثقة الناس في الشارع بالتيار السلفي خصوصا والفكر السلفي عموما, وزاد من الهوة بين الناس والتيار السلفي, ووضع التيار السلفي في موقف لا يحسد عليه خصوصا بين النخبة المتعلمة والمفكرة , وهي الفئة التي لاوجود للتيار السلفي فيها بكثرة, وحرم الكثير من خير هذا الفكر الطيب. واني ارى من وجهة نظري المتواضعة:

انه على التيار السلفي كما قال فضيلة الشيخ محمد حسان, بداء مراجعة ما رسخ في الفكر السلفي من ثوابت, وتاصيل الافكار المختلفة, وطرحها.

  • على التيار السلفي بدأ قبول الاخر, والعمل معه في ما اتفقوا عليه,و عذره فيما اختلف معه فيه. والتوقف عن الحكم على الناس, فلقد اثبت حتى الان انه اضيق التيارات صدرا وقبولا بالاخر ورفضا للمخالف وفضحا له, وانه اجهل الناس بالافكار والتيارات الاخرى لعدم انفتاحه عليها من الاساس, واسرع الناس في الحكم على كل من خالفه او اتفق معه.

  • قبول الاراء الفقهية المخالفة له, واحترامها طالما لم تلوى فيها عنق الادلة وصدرت من علماء معتبرين وعدم جعل كل قضية فقهية صغيرة هي من المعلوم من الدين بالضرورة, وانها هي الدين ولا شئ غيرها. بل ان بعض الامور الفقهية من الفروع المختلف عليها تم التعامل معها على انها من الثوابت العقدية.

  • التمهل في خوض العملية السياسية, والصبر حتى يتم تبلورها وحتى يتم تاصيلها من الناحية الفقهية , وعدم الزج بكل راي قانوني او سياسي على انه راي فقهي.

  • محاولة فهم الواقع الخاص بكل قطر وعدم استيراد الفتاوى المرتبطة بواقع الناس وواقع القطر من بلد لاخر , فهي اراء وفتاوى فقهية وليس ما يفتى به في حالة ينفع في كل الاحوال, مع قبول اراء واجتهادات مشايخ المدارس المختلفة, طالما لم تمس لب العقيدة او المعلوم فعلا من الدين بالضرورة, وخصوصا ان جل ما اختلف فيه هو من الفروع وليس الاصول الثابتات.

  • عدم احتكار الحقيقة  فيجب على الحركات الاسلامية كلها ان تعلم انه تمثل جزاء من المسلمين وليس كل المسلمين.

الله اسئل ان اكون بجهدي الضعيف هذا قد وضعت يدي على الداء, واسئل الله ان ينفع بكلامي هذا من يقرأه, وان يكون فعلا قد بداء زمن التغيير الذي تتحد فيه التيارات السلامية وان يعملوا سويا على الاقل فيما اتفقوا فيه, وان يعملوا سويا لرفعة هذا الوطن وهذه الامة متعاونين مع من خالفهم من حتى من التيارات الاخرى والافكار الاخرى على رفعة هذا الوطن والامة وتحقيق المصالح. وان تعذر الحركات الاسلامية بعضها بعضا فيما اختلفوا فيه , مما يسع الاختلاف فيه, خصوصا فيما لا يمس لب المعتقد ولب الدين.

Advertisements
  1. #1 by محمد أبو فارس on مارس 29, 2011 - 5:32 مساءً

    جزاكم الله خيرا يا أخي الكريم على هذه المقالة الأكثر من رائعة
    أسأل الله أن تكون عونا لكل طالب حق في أن يجد بغيته

    يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى
    إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصَّره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخْفَ عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج. ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه
    إنتهى كلامه رحمه الله

    فهذه المقالة خطوة في طريق الإصلاح بإذن الله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: